سيد محمد طنطاوي
101
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهنا يسوق اللَّه - تعالى - ما يبطل معاذيرهم ، بإثبات أن البشير والنذير قد جاءهم فقال - تعالى - : * ( فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ) * . والفاء هنا للافصاح عن كلام مقدر قبلها . والتقدير . لا تعتذروا بقولكم ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم رسولنا الذي يبشركم بالخير إن آمنتم وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم . والتنكير هنا في قوله : * ( بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ) * للتعظيم من شأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم الذي هو خاتم النبيين ، والذي أرسله اللَّه - تعالى - رحمة للعالمين . وقوله : * ( بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ) * وإن كانا وصفين للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم إلا أن ثانيهما قد عطف على أولهما لتغايرهما في المعنى ، لأن التبشير عمل يختلف عن الإنذار ، وكلاهما من وظائف النبوة . وقوله - تعالى - * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * تذييل قصد به شمول قدرة اللَّه وأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء . أي : واللَّه على كل شيء قدير ، فلا يعجزه أن يرسل رسله تترى ، كما لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة . وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها ، وأنها جاءت والناس في أشد الحاجة إليها ، وأنه لا عذر لأهل الكتاب في عدم الاستجابة لها بعد أن بلغتهم ، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا ، وبالعذاب الأليم إن استمروا على كفرهم وضلالهم . وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من رذائل أهل الكتاب ، ومن أقوالهم الباطلة في حق الرسول الذي أرسله اللَّه - تعالى - لهدايتهم وسعادتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . بعد كل ذلك ساق - سبحانه - جانبا مما حدث بين موسى - عليه السلام - وبين قومه بني إسرائيل ، ومما لقيه منهم من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان . إذ في ذلك تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم عما شاهده منهم من عناد وجحود . استمع إلى القرآن وهو يحكى بعض قصص بني إسرائيل مع نبيهم موسى فيقول : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 20 إلى 26 ] وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 21 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوه فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 )